علاء الدين خيري شركة ادوية نينوى بعد أن انتشرت شركات الأدوية وتنوعت الأشكال الصيدلانية واستعمالاتها وأصبح رأي الطب هو الفيصل في علاج الحالات المرضية واختيار الأدوية المضادة لها ، تراجع استعمال الحجامة كغيرها من الممارسات الطبية وأصبحت جزءً من التراث الطبي التقليدي . إلا أن الاهتمام بالحجامة عاد في أوائل القرن العشرين بعد أن قام الأطباء في العالم بدراسة تأثيرها على نطاق واسع وأصبحت لها استطباباتها وخواصها العلاجية التي تقوم على أساس علمي بالإضافة إلى أن العديد من الناس يفضلونها بعدِّها واحدة من السنن النبوية التي مارسها النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وسلم) وأوصى أمته بها ، فقد روي عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) قال : حدّث النبي عليه الصلاة والسلام عن ليلة أسري به ، أنه لم يمر على ملأ من الملائكة إلا وأمروه أن مر أمتك بالحجامة (رواه احمد والترمذي) وقال الألباني حديث صحيح . نبذة تاريخية : تعني الحجامة في اللغة (المص أو الشفط) أي مص الدم ، والشخص الذي يقوم بالحجامة يسمى الحجَّام أما الأداة المستخدمة في الحجامة فتسمى المحجم . وقد كانت الحجامة من الممارسات الطبية التقليدية القديمة التي عرفتها المجتمعات البشرية حيث كان الأشوريون يمارسونها منذ عام3300 ق.م ومارسها المصريون القدماء منذ عام2200 ق.م ، بالإضافة إلى الإغريق حيث كانوا يقومون بتسريب كمية من دم المريض بهدف طرد الأرواح الشريرة ، وفي الصين كانت الحجامة إلى جانب الإبر الصينية من أهم ركائز الطب الصيني ثم انتقلت هذه الممارسة بطريقة ما إلى العرب القدماء وعندما جاء الدين الإسلامي اقرها وحث عليها ، وقد داوم على ممارستها النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وسلم) ففي الصحيحين (إن النبي عليه الصلاة والسلام احتجم وأعطى الحجام أجره وقد قال عنها) عليه الصلاة والسلام (إن أفضل ما تداويتم به الحجامة) وقال أيضاً الشفاء في ثلاثة : شربة عسل وشرطة محجم وكية نار وأنهى أمتي عن الكي . ومن ثم انتقلت الحجامة إلى أوربا عن طريق الأطباء المسلمين عبر الأندلس حيث كان يعد هؤلاء الأطباء ومدوناتهم المرجع الأول في الطب . فوائد الحجامة : تفيد الحجامة في علاج عشرات الحالات المرضية منها : الروماتيزم والروماتويد والنقرس ، وتضخم البروستات والغدة الدرقية ، والضعف الجنسي والعقم ، والشلل النصفي ، والكلى ، وضعف المناعة ، والبواسير ، وارتفاع ضغط الدم ، وقرحة المعدة ، والقولون العصبي ، والتبول اللاإرادي لدى الأطفال فوق سن الخامسة ، وضعف الأوعية الدموية ، وتصلب الشرايين ، والسكر ، ودوالي الساقين ، والسمنة ، والنحافة ، والصداع ، وأمراض العين ، والكبد ، وضعف السمع ، والتشنجات ، وضمور خلايا المخ ، ونزيف الرحم وانقطاع الطمث ، وغيرها كثيرة . كما وتفيد الحجامة في علاج مرض الشقيقة (وهي صداع نصفي شقي وعائي المنشأ يصيب بآلامه أحد شقي الرأس) وهو مرض يصيب (10-20 %) من الناس ويصيب النساء أكثر من الرجال بنسبة الضعف ولم يكتشف له علاج جذري حتى اليوم وقد ورد في السنة تداوي النبي ( صلى الله عليه وسلم) بالحجامة من شقيقة أصابته . وذكر ابن قيم الجوزية أن الحجامة تنقي سطح البدن وتنفع في الأمراض الحارة وهي الأمراض الناجمة عن زيادة الاحتقان الدموي كارتفاع الضغط وآفات القلب والرئتين كما واثبت الطب الحديث أن الحجامة تفيد في علاج قصور البطين الأيمن المصاحب بارتفاع الضغط الوريدي والقصور الحاد في البطين الأيسر مع وذمة الرئة ، وكذلك التسممات المزمنة والتي طال فيها وجود السم في الدم حيث روى الطبراني أن النبي (صلى الله عليه وسلم) احتجم بعدما سم. كما وتعالج الحجامة فرط الكريات الحمر (polycythemia) . تعمل الحجامة أيضاً على خطوط الطاقة في الجسم حيث أن نتائج الحجامة أفضل بعشرة أضعاف من الإبر الصينية لأن الحجامة تعمل على دائرة قطرها قرابة 5 سم بينما تعمل الإبر الصينية على نقطة صغيرة . وتعمل أيضاً على تنشيط الغدد اللمفاوية فتقوي مناعة الجسم وتجعله يقاوم الأمراض والفيروسات بالإضافة إلى أنها تعمل على الأوعية الدموية والأعصاب وتنشط جميع الغدد وكما تعمل على تنشيط مراكز المخ وغيرها ، وتعمل أيضا على مواضع الأعصاب الخاصة بردود الأفعال فكل عضو في الجسم له أعصاب تغذيه وأخرى لردود الأفعال. (أي فعل) رد فعل يختلف مكانه بحسب منتهى العصب الخاص بردود الأفعال فيه فالمعدة على سبيل المثال لها مكانان في الظهر وعندما تمرض المعدة نقوم بالحجامة على هذين المكانين وكذلك البنكرياس له مكانان والقولون له ستة أماكن وهذا ما يفسر تعدد مواضعها في جسم الإنسان والتي سنتناولها لاحقاً . أنواع الحجامة وأدواتها وطرائق استعمالها : تقسم الحجامة إلى نوعين هما : (الحجامة الجافة) و (الحجامة الرطبة) وهناك أدوات خاصة يستعملها الحجام في عمله ، وهي عبارة عن قدح زجاجي ومشارط كتلك المستخدمة في العمليات الجراحية حيث يقوم الحجام بإشعال قطنة أو ورقة داخل القدح لتفريغ الهواء وقد كان الهنود القدماء يستعملون القرون المجوفة لبعض الحيوانات ثم يضعون الجزء الواسع منها على الجلد بعدها يتم الشفط بقوة من الطرف الضيق باستعمال الفم إلى أن يفرغ القرن من الهواء تماماً ثم يغلقون الطرف العلوي الضيق بالإبهام مع الضغط الشديد على القرن. وبعد أن أثبتت الحجامة جدارتها كممارسة طبية علاجية على مر العصور ، استحدث أطباء القرن العشرين الأدوات المستخدمة في الحجامة لتسهيل العملية فصار هناك مشارط متنوعة تحتوي على ثلاث شفرات أو ثمانية شفرات وقاموا أيضاً بتطوير الأقداح المستعملة في الحجامة وحددوا قطرها بـ (5سم) مزودة بثقب جانبي موصول بخرطوم يحتوي على سداد في نهايته ويستعمل هذا الخرطوم لتفريغ الهواء كما وسنشرح كيفية عمل كل نوع من أنواع الحجامة كما يلي : بالنسبة للحجامة الجافة : يتم وضع القدح على المكان المحدد (حسب نوع المرض) ثم يقوم الحجام بشفط الهواء بواسطة الخرطوم الجانبي عن طريق الفم أو أية وسيلة أخرى لتفريغ الهواء حيث سيتم شفط قطعة من سطح الجلد داخل القدح ومن ثم يتم حبس الهواء عن طريق غلق السداد الموجود في الخرطوم بعدها يترك القدح على حاله مدة 3 إلى 5 دقائق ثم ينزع الكأس فنجد دائرة حمراء على سطح الجلد وتسمى هذه الطريقة كأس الهواء (cupping) . أما النوع الثاني المسمى (الحجامة الرطبة) : فيتم إتباع نفس الطريقة المعمول بها في الحجامة الجافة إلا أن الحجام يقوم بعد نزع القدح بتشريط الطبقة الخارجية من الجلد في الدائرة الحمراء بعمق قرابة 1ملم وبطول قرابة 4ملم شرطة واحدة أو أكثر موزعة على ثلاثة صفوف بعدها يتم وضع القدح ثانية فوق الدائرة الحمراء ويقوم الحجام بعملية الشفط وسحب الهواء وحبسه مما يؤدي إلى خروج كمية من الدم تختلف حسب المرض ثم يقوم بنزع القدح بحرص شديد مع وضع منديل أسفل القدح لامتصاص الدم ، بعدها يتم مسح الدم بالمنديل الموضوع أسفل القدح في اتجاه من أسفل إلى أعلى وإذا لاحظ خروج الدم من المكان المشرطة فإنه يقوم بتكرار العملية إلى 5 مرات حتى يلاحظ توقف الدم . وعندما ينتهي الحجام من العملية ، يقوم بتطهير مكان التشريط مباشرة باستعمال المطهرات العادية أو عسل النحل أو حبة البركة . أوقاتها ومواضعها : ذكر في السنة النبوية الشريفة وكتب الطب القديمة إن أوقات الحجامة المفضلة هي الأيام (17،19,21) أو في الربع الثالث من كل شهر عربي وتكون ممارستها في الصباح والظهر أفضل من الليل وهي مستحبة في أيام الاثنين والثلاثاء والخميس ومنهي عنها أيام السبت والأربعاء ومكروهة يوم الجمعة ، ويقول ابن القيم : إن ممارسة الحجامة على بطن فارغة أفضل من بطن ممتلئة فهي على الريق دواء وعلى الشبع داء كما يقول ابن القيم في زاد المعاد نقلاً عن ابن سينا قوله : (أوقاتها في النهار الساعة الثانية أو الثالثة ويجب توقيتها بعد الحمام إلا فيمن دمه غليظ فيجب أن يستحم وبعدها يقضي مدة ساعة للاستجمام قبل ممارسة الحجامة) . كما أن الحجامة في الصيف أفضل منها في فصل الشتاء وكتفسير لتحديد الأوقات أعلاه ، يقول ابن قيم الجوزية : إن اختيار هذه الأوقات للحجامة كانت على سبيل الاحتياط والتحرز من الأذى وحفاظا على الصحة وأما مداواة الأمراض فحيثما وجد الاحتياج إليها وجب استعمالها . ويضيف في زاد المعاد أن الدم في أول الشهر لم يكن قد هاج وفي نهاية الشهر يكون الدم قد سكن أما في وسط الشهر أو بعده بقليل فيكون في نهاية التزايد وقد ذكر العالم العربي ابن سينا في كتابه (القانون) : ((يؤمر باستعمال الحجامة لا في أول الشهر لأن الأخلاط لا تكون قد تحركت وهاجت ولا في آخر الشهر لأنها تكون قد نقصت وقلت، والأخلاط في وسط الشهر تكون هائجة بالغة في تزايدها لتزيد النور في جرم القمر)) . وعن علاقة الحجامة بالفرائض فقد ورد في صحيح البخاري أن النبي (صلى الله عليه وسلم) احتجم وهو صائم وهذا دليل على جوازها إثناء الصيام . مواضعها : يقال إن للحجامة 98 موضعاً في جسم الإنسان موزعة كالآتي : 55 موضعاً في الظهر و،43 موزعة على الوجه والبطن كما أن لكل مرض مواضع معينة : وبالنسبة لمنطقة الظهر ، يقول فريق الأطباء الجدد : أن الموضع الصحيح للحجامة هو ما يسمى (الكاهل) عند الفقرة السابعة من العمود الفقري أسفل الرقبة كونه مقبرة للدم الفاسد وغيرها من المواضع تعد خاطئة . في حين أن هناك أحاديث نبوية شريفة عدة تشير إلى مواضع الحجامة فعن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال : كان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يحتجم ثلاثاً ، واحدة على كاهله واثنتين على الأخدعين والكاهل هو ما بين الكتفين ومقدم الظهر وهذه المنطقة أبعد عن العروق الكبيرة وأسلم والأخدعان هما عرقان في جانبي العنق وهما الوريدان الوداجيان الخارجيان الخلفيان فهذه المواضع تفيد في أمراض الرأس والوجه كالأذنين والعينين والأسنان والأنف . وعن جابر (رضي الله عنه) - إن الرسول صلى الله عليه وسلم احتجم على وركه من وثءٍ كان به - (رواه أبو داود وحسنه) وعن انس ابن مالك رضي الله عنه - أن النبي (صلى الله عليه وسلم) احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به - (رواه أبو داوود والنسائي ، وإسناده صحيح) كما أن هناك حديث آخر رواه البخاري عن ابن عباس (رضي الله عنهما) - احتجم النبي (صلى الله عليه وسلم) في رأسه وهو محرم من وجع كان به بماء يقال له لحي الجمل - (رواه البخاري ومسلم والنسائي) ولحي الجمل هو موضع في الأرض يعرف بعقبة الجحفة . محظورات استعمال الحجامة : ينصح المصابون بهبوط في ضغط الدم الشرياني أو بنقص في كمية الدم وفقر الدم من أي منشأ بالإضافة إلى التصلب العصيدي الدماغي بعدم استعمال الحجامة كما لا يمكن عمل الحجامة لشخص خائف فلا بد من أن يطمئن أولاً ولا يمكن أيضاً عمل الحجامة لشخص يشعر بالبرد الشديد ففي هاتين الحالتين يكون الدم غير متوفر كما لا يجوز احتجام المريض وهو واقف أو جالس على كرسي ليس له مساند خوفاً من حصول حالة إغماء وسقوطه على الأرض وفي حالة الإغماء وقت الحجامة أو على أثرها ، يستلقي المصاب على ظهره وترفع قدماه للأعلى بوسادة أو غيرها مع إعطائه بعض السكريات والعصائر الطازجة ولا تحتجم الأم الحامل في أسفل البطن ومنطقة الصدر في الأشهر الثلاثة الأولى ولا تصح الحجامة في الأيام شديدة البرودة كما لا تصح للمصاب بالرشح أو البرد ودرجة حرارته عالية وتجنب عمل الحجامة على الركبة المصابة بالماء ففي هذه الحالة يجب أن يكون موضع الحجامة بجوارها وكذلك الحال بالنسبة للدوالي وينبغي أيضا تجنب الحجامة على أربطة المفاصل الممزقة. ويحذر الحجامون المحدثون من عمل الحجامة لمن أجرى عملية الغسل الكلوي أو تبرع بالدم إلا بعد مرور ثلاثة أيام ولمن يتعاطى المنبهات حتى يتركها ولمن قام بتركيب منظم لضربات القلب لا تعمل له حجامة على القلب . وفي البلدان الغربية ، يمنع الحجامون المحتجمين من تناول الكحول لمدة 24ساعة وتناول المشروبات الباردة أو المثلجة لمدة 24ساعة أيضاً وكذلك ممارسة الجنس لمدة 24ساعة كما وينصحون بالحفاظ على مكان الحجامة مغطى ودافئا لمدة 24ساعة أيضاً . الحجامة في العصر الحديث : بعدما أيقن أطباء العصر الحديث بفوائد الحجامة كممارسة طبية علاجية، فقد تم وضع أسس وضوابط لتطبيقها وممارستها كتشخيص المرض أولاً بناءً على الشكوى المقدمة من المريض ووضع قواعد لضبط قوة الضغط على الموضع والتي تختلف من مكان لآخر حسب حالة المريض وتطبيق الجانب العلمي في تحديد مناطق العمل حسب تطبيق منظمة الصحة العالمية المعلن في عام 1979 وهكذا أصبحت الحجامة علماً طبياً له قواعد وأصول بنيت على أساس علمي ومعترفاً بها دولياً . وفي النهاية بعد أن تعرفنا على الحجامة وفوائدها وموقف الدين الإسلامي والسنة النبوية الشريفة منها والذي جاء مطابقاً للأبحاث الطبية الحديثة لا يسعنا إلا أن نتذكر قوله سبحانه وتعالى حين وصف نبيه الكريم : بسم الله الرحمن الرحيم (إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى) صدق الله العظيم - سورة النجم (الآية 4- 5)