أ. هشام عمر الحديدي كلية الحدباء الجامعة للتسعير الدوائي أهمية بالغة في تحديد الأرباح المتحققة من قبل شركات الأدوية الحكومية ، ما يعود بالنفع على الشركة والدولة معا . فالشركة التي تحدد السعر الدوائي بشكل دقيق بحيث يكون سعر بيع الدواء مغطياً لكلفته ومحققا هامش ربح هي شركة ناجحة وتستطيع أن تنهض بكادرها وأن تكون عنصر بناءٍ في الدولة لا عنصر هدم . والدولة تستفيد من شركات الأدوية الحكومية الناجحة من محاور أبرزها ما يأتي : 1- دعم الموازنة العامة للدولة من خلال نصيب الدولة من أرباح تلك الشركات على اعتبار أنها من القطاعات الداعمة للموازنة . 2- امتصاص ملاك كبير من القوى العاملة في تلك الشركات والتي تتحمل شركات الأدوية نفقاتهم على عكس العاملين في الوحدات الخدمية والتي تكون نفقاتهم ضمن الموازنة العامة للدولة . 3- دعم الدولة من خلال المنتجات الدوائية محلية الصنع والتي توفر على الدولة استيرادها ومحاولة الوصول إلى الاكتفاء الذاتي . 4- تحقيق سمعة خارجية جيدة للدولة خصوصا في حالة تصدير تلك الأدوية والمستلزمات الطبية خارج القطر . ولكي يكون التسعير الدوائي ناجحاً ومثمراً للشركة والدولة معا فإن هناك بعض الأفكار التي تخدم آلية التسعير الدوائي والتي تقع على عاتق الشركة والدولة معاً . أما ما يخص دور شركات الأدوية الحكومية فغالبا ما يكون التسعير الدوائي لديها تسعيراً تقليدياً حيث تُعدُّ بطاقة كلفة لكل منتج دوائي وتضم هذه البطاقة أنواع المواد الكيماوية التي دخلت في تركيب ذلك المنتج وكلفتها النهائية ومن ثم أنواع مواد التعبئة والتغليف وكلفتها النهائية ثم يضاف إليها أجور العمل لتصل إلى كلفة التصنيع ثم يضاف إليها نصيبها من التكاليف غير المباشرة لتصل إلى كلفة ذلك الدواء الذي يضاف إليه كذلك هامش الربح ليصبح السعر النهائي الخاص بهذا المنتج . آلية التسعير هذه تكون ناجحة في حالة عدم استيراد الأدوية من أي دولة أخرى وتكون ناجحة كذلك في حالة كون وحدات الدولة هي من يشتري جميع مخرجات شركات الأدوية الحكومية . أما في حالة انفتاح الأسواق أمام المنتجات الدوائية الخارجية (العربية والأجنبية) مع عدم وجود رقابة دوائية صارمة على المناشئ الداخلة وكذلك الدخول غير القانوني للأدوية وإغراق السوق بها وتخويل الدولة لوحداتها بالشراء من عدمه من شركات الأدوية الحكومية يؤثر بصورة مباشرة على مبيعات تلك الشركات الحكومية ولاسيما أن غالب الأدوية الداخلة إلى القطر تكون بأسعار تنافسية قياسا لأسعار تلك الشركات وهذا يؤثر بدوره على أرباح الشركات المحلية بل يتعدى ذلك إلى خسارتها ومن ثم تحمل الدولة جزءاً من نفقات تلك الشركات وكأنها وحدات خدمية وبالحصيلة تحول دور الشركات في دعم الموازنة إلى إضافة عبء على الموازنة . فكان لزاماً على شركات الأدوية الحكومية أن تضع الحلول والمعالجات بغية إعادة النظر في التسعير الدوائي بما يواكب تلك المستجدات ، لأن جميع وحدات الدولة المعنية بالتعامل مع شركات الأدوية أصبحت على علم ودراية بالأسعار التنافسية وأصبح السعر المقترح من قبلها على تلك الشركات الحكومية لا يغطي كلفة الدواء لذلك كان لزاما على تلك الشركات أن تنتقل في تسعير منتجاتها من التسعير التقليدي إلى التسعير الحديث. تقليدياً يكون التسعير أمامياً أي باحتساب جميع عناصر التكلفة الخاصة بهذا المنتج ثم إضافة الهامش ثم التوصل إلى السعر النهائي للدواء بعد اكتمال عملية إنتاجه أما في التسعير الحديث فيكون الأمر عكسياً أي بعكس التسعير التقليدي حيث يحدد أولاً سعر الدواء المقترح من تلك الوحدات أو سعر الدواء السوقي ثم يطرح منه هامش الربح المخطط من قبل تلك الشركات والمتبقي يمثل الحد الأعلى للتكلفة المستهدفة لذلك الدواء وهذا التسعير قبل الإنتاج لكي يتم العمل وفق التكلفة المستهدفة فيما بعد وهنا تبدأ المقارنة بين التكلفة المستهدفة للدواء وفق التسعير الحديث وتكلفة الدواء وفق التسعير التقليدي فإذا كانت تكلفة الدواء مساويةً أو أقل من التكلفة المستهدفة فلا توجد مشكلة في إنتاج ذلك الدواء لأنه يحقق الهدف المنشود ، أما إذا كانت تكلفة الدواء أكبر من التكلفة المستهدفة فهنا يجب إعادة تصميم هذا الدواء بما يكفل الوصول إلى التكلفة المستهدفة التي تحقق الغرض المنشود . أول إجراءات إعادة التصميم هو تشكيل فريق عمل داخل شركات الأدوية من ذوي الاختصاص للوصول إلى التكلفة المستهدفة من خلال المعلومات المتوفرة والتي تحاول النظر إلى كل منتج دوائي على أساس أنه سلسلة من النشاطات المترابطة والتي تبدأ من شراء المواد الأولية وانتهاءً بالمنتج النهائي المعد للتسويق وحسب نوعه حبوباً كان أم كبسولات أم قطرات وهكذا لبقية الأنواع . ويسعى الفريق المختص إلى تحديد مواطن التكلفة المرتفعة . في تلك النشاطات من خلال المعلومات التفصيلية عن كل نشاط وما يضم من مواد وأجور وتكاليف أخرى واستخدام أفكار حديثة لتخفيض تلك التكاليف مع المحافظة على الجودة المطلوبة والتركيز على التخفيض يكون في بداية سلسلة النشاطات المترابطة حيث يرى كثير من المختصين والباحثين أنه بمجرد بداية الإنتاج يصبح أكثر من90% من تكاليف المنتج غير قابلة للتحكم فيها حيث أن التحسين والتطوير في بداية السلسلة يمكن أن يؤدي إلى وجود فرص لتخفيض التكاليف في آخر السلسلة وكذلك النظر إلى تلك الأنشطة على أساس كونها مضيفة للقيمة أم غير مضيفة . ويقصد بالنشاط المضيف للقيمة هو ذلك النشاط الذي لا يمكن استبعاده ويزيد من قيمة المنتج مثل نشاط تحضير قطرات العين . في حين يقصد بالنشاط غير المضيف للقيمة هو ذلك النشاط الذي يمكن استبعاده دون التأثير سلباً على المنتج مثل نشاط خزن قطرات العين . ويكون دور فريق العمل هو الإبقاء على الأنشطة المضيفة للقيمة واستبعاد غير المضيفة ، وهذا يؤدي إلى خفض التكاليف وكذلك دمج الأجزاء قدر الإمكان وهو ما يؤدي بدوره إلى تخفيض التكاليف ، مثال ذلك زجاجة قطرة العين يمكن دمج الغطاء مع الماصة في جزء واحد بدلاً من جزئين إضافة إلى تطوير أساليب الإنتاج وتبني قرارات التصنيع والشراء بالنسبة للمواد الأولية بما يخدم التكلفة واستخدام مبدأ المقارنة المرجعية مع شركات أخرى تمتلك زمام التكلفة والجودة معا - عرف بعضهم المقارنة المرجعية في مجال تصنيع الأدوية بأنها المقارنة مع شركة دوائية أخرى تمتلك معلومات عن العمليات ، التكنولوجيا و الجودة و طرائق التكاليف - وتستخدم تلك المعلومات أفضل من شركتنا وهنا يكون دور الفريق بالبحث في كل طريقة ترتقي بالمنتج نحو جودة أعلى و كلفة أقل للوصول إلى التكلفة المستهدفة والتي يضاف لها هامش الربح المستهدف وصولاً إلى السعر المقترح من قبل الزبائن سواء كانت وحدات دولة أم قطاعاً خاصاً . هناك أفكار عديدة لا يمكن اختصارها في أسطر ولكن الذي يمكن قوله: إن التسعير التقليدي لم يعد مواكباً لبيئة السوق المفتوحة . أما ما يخص دور الدولة في دعم شركات الأدوية الحكومية فيتمثل في تشكيل لجنة للتسعير الدوائي تتكون هذه اللجنة من ذوي الاختصاصات المعنية بالتسعير وأن تكون منصفة لتلك الشركات وأن تضع حدين لكل سعر دوائي حد أعلى وحد أدنى ووفق دراسة معمقة ومقارنة لأسعار الأدوية في شركات تنتهج الجودة ابتداءً وانتهاءً وأن تعطى لشركات الأدوية الحرية في التسعير الدوائي ضمن الحدين السابقين وأن تكون هناك رقابة دوائية صارمة تمنع استيراد أو تداول الأدوية ذات المناشئ غير الرصينة وأن يكون هنالك دعم لتلك الشركات من خلال توفير المواد الأولية وبأسعار مناسبة وأن تعفى المواد الأولية بصنفيها الكيمياوية ومواد التعبئة والتغليف من الرسوم الكمركية والضرائب إذا كانت مستوردة لتلك الشركات حصراً وأن تدعم تصنيع تلك المواد داخل القطر وأن يكون هناك إعادة لهيكلية تلك الشركات ومحاولة استغلال الفائض البشري الذي يؤثر على كلفة المنتج الدوائي في فتح شركات أخرى في مناطق تكون أكثر احتياجاً لها وأن يكون هناك توجه نحو دعم تلك الشركات من خلال وحدات الدولة وتكون مشترياتها لجميع أنواع الأدوية والمستلزمات الطبية حصراً من تلك الشركات بعد أن أصبح سعر المنتج الدوائي معلوماً لجميع الأطراف.